أن الأرض يرثها غرباء الأطوار!

(القيادي) قد يذكرك هذا العنوان بالأية التي تقول (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)، هذا ما جاء في الزبور كما أخبرنا القرآن الكريم، التي قال بعض المفسرون في تفسيرها أن المقصود بالأرض هنا الجنة، بأنها ستكون ميراث للصالحين، لكن ماذا عن الأرض الآن من هو الذي يرثها ويحكم سيطرته عليها؟

حسنا دعني أخبرك أن الأرض الآن يرثها الغرباء، نعم غرباء الأطوار، هؤلاء الأشخاص الذين لا يروقون لك ولا تستطيع فهمهم، الذين تجد إهتماماتهم غريبة، ويفكرون بطريقة غير إعتيادية، وتجدهم عندما يوافق الجميع على شئ ما، يتريثون ويفكرون لماذا؟ هؤلاء الأشخاص الذين وجدوا أن مناهج الدراسة غبية ومملة، وأن الوظائف ربما عبودية، وأن إدخار المال بدل من استثماره هو مضيعة للمال، وكذلك فهم لا يحبون كثيرا الإختلاط، أو المناسبات الإجتماعية. هؤلاء هم من يرثون الأرض ويحكمون سيطرتهم عليها، وهؤلاء هم من ستعمل لديهم وستقول لهم حسنا وتبتسم لهم.

من هو غريب الأطوار؟

تستطيع أن تسمي نفسك ما شئت، لكنك غريب الأطوار إن كان لديك أحد الصفات التالية:

– لا تستطيع الإندماج في محيطك بدون أن تبذل جهد كبير.

– لست من هؤلاء الذين يقبلون بالأمر الواقع ويسيرون مع التيار.

– أنت تحاول أن تجعل صفاتك الغريبة قيمة تستفيد منها.

لسنوات كانت الأعمال تدار بالطريقة التقليدية كما تدرسه الجامعات ومدارس الأعمال، وكان رجال الأعمال يأتون من عائلات ثرية، ولديهم أصول وعقارات ومصانع وفنادق وأساطيل من السيارات والشاحنات، أما الآن كل شئ يتغير ويعلن إنهيار بنيان الطريقة التقليدية التي تدار بها الأعمال، فالآن شركة Uber أكبر شركة لسيارات الأجرة، لكنها لا تملك أي سيارة أجرة، وقد أصبحت منصة Airbnb أكبر سلسلة فنادق في العالم، ومنتشرة في أي مدينة أو بلدة في أرجاء المعمورة، لكنها لا تملك أي فندق، كذلك منصة يوتيوب التي أصبحت أضخم منصة لمحتوى الفيديو، لكنها لا تنتج تقريبا أي محتوى، وحتى على مستوى البنوك والمصارف كانت معظم التحويلات المالية تتم عبر البنوك، أما الآن نسبة كبيرة من التعاملات أصبحت تتم باستخدام منصات إلكترونية وتطبيقات للأجهزة الذكية، مالذي يحدث؟ هذا ما يقوم به غرباء الأطوار، يقلبون المعايير ويغيرون طريقة عمل كل شئ، لأنهم ينظرون إلى الحياة وطريقة عمل الأشياء بشكل مختلف، كل شئ كان مستحيل منذ سنوات أصبح الآن ممكن وأسهل مما تتخيل.

هؤلاء الغرباء يغيرون شكل العالم وثقافته كما سار عليه لقرون مضت، يصنعون عالم جديد ويفرضوه على الجميع، فالآن المباركات والتهاني والتعازي والإعلان عن الأفراح والأتراح أصبحت تتم عبر المنصات الإجتماعية وتطبيقات المراسلة بشكل إفتراضي، وتتم شكليا في أرض الواقع.

نظام المدارس والجامعات الذي تم تصميمه منذ عصر النهضة الصناعية، ليخرج عمال مصانع مطيعين أذكياء بما فيه الكفاية لتشغيل الآلات، وأغبياء للتفكير في أي شئ آخر، تم نسفه، ففي كثير من الإختصاصات لم تعد الشهادة الجامعية مطلوبة، لأن ما تتعلمه في الجامعة ستجد أنه لم يعد يستخدم عند تخرجك، بسبب سرعة التطور، فتم تطوير منصات تعليمية إلكترونية تستطيع فيها أن تتعلم أي شئ من أي مكان وبأي وسيطة، مثل Udemy أو Lynda، ولم تعد بحاجة للذهاب للجامعة، ودفع رسوم باهظة لتأخذ شهادة في معلومات نظرية إنتهت صلاحيتها.

التكنولوجيا الآن اصبحت تمكن هؤلاء المهووسين، والذين لا يقبلون بالأمر الواقع، بفعل مالم يكن ممكن منذ سنوات، فذاك الشخص المهووس بالرسم، لم يعد بحاجة لينشر أعماله في المعارض الفنية التي تحتاج لأموال ومعارف، فهناك معارض إفتراضية الآن، وهناك من يزورها ويشتري لوحات فنية منها، وذلك المراهق أو الشاب المهووس بألعاب الفيديو، والذي يقضي معظم حياته في عالم ألعابه، أصبح هناك من يوظفه مقابل هذا الهوس، ويدفع له الآلاف كي يجرب هذه الألعاب ويقدم إقتراحاته، أو يكتب قصة وسيناريو للعلبة جديدة، وذاك المبرمج المهووس بكتابة الشيفرات البرمجية، لم يعد بحاجة ليعمل في شركة تقتل إبداعه، وتقول له ما يجب أن يفعل وأن لا يفعل، الآن يستطيع أن يطلق تطبيق للهواتف الذكية، أو موقع ويب، أو يصنع قفل يمكن فتحه باستخدام تطبيق هاتف ذكي من أي مكان في العالم مثلا، والأمر لا يتوقف عند ذلك فحسب، فهؤلاء اصبحوا يحصلون على تمويل لتنفيذ أفكارهم المجنونة، من منصات التمويل الجماعي مثل كيكستارتر أو إنديغوغو وشركات رأس المال المخاطر التي تستثمر المليارات في هكذا مشاريع، وحتى الشخص ذو الحس الفكاهي، صار بإمكانه أن يستفيد من هكذا موهبة التي قد لا تبدو غريبة، ولكن الأكثر غرابة أنه يجني المال من مشاهدة الناس لفيديوهاته على اليوتيوب، بل أن هناك طفل بعمر التسعة سنوات، استطاع جني أكثر من مليون دولار، من خلال نشره مقاطع فيديو تحقق الملايين من المشاهدت، لتصويره عملية فتحه لصناديق الألعاب الجديدة، وإبدائه رأيه فيها (هذه قناته على يوتيوب).

هؤلاء الأشخاص الغرباء هم  من بنوا شركات عملاقة مثل الفيسبوك وأبل وديزني وكينتاكي ومايكروسوفت، ووصلوا للملايين من قناة على اليوتيوب مثلما وصلت أغنية غانغام ستايل، لصاحبها الكوري ذو الجمال والصوت المتواضع، لكن قدمت بطريقة مبدعة، أو برنامج البرنامج لباسم يوسف الذي رفض أن يمارس مهنة الطب، ليبدأ مقاطعه الساخرة التي تحولت لبرنامج جماهيري شاهده الملايين.

لقد استطاع الغرباء أن يغيروا هذا العالم والطريقة التي نعيش فيها، لذلك عندما تشاهد شخصاً غريباً المرة القادمة لا تنظر له بريبة وتعالي، بل انظر له باحترام لأنه أحد ورثة هذه الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*